الاثنين، 7 يونيو، 2010


الرأي والراي الآخر في القرآن


السيد محمد الياسري



   القرآن الكريم .. كتاب منهج .. قبل أن يكون كتاب مضمون .. بدأ دعوة الى الله وانتهى كتاب تشريع وتوجيه .. ((إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )) وما جاء فيه من مواقف تجاه الآخر إنما هي مصاديق لرؤية أوسع تمتد بإمتداد الحراك الثقافي على طول التأريخ .. ومن مجموع هذه المصاديق التي ذكرها القرآن يمكن إستخلاص الرؤية القرآنية وإكتشاف المنهج لإتخاذ المواقف ..
وللتعامل مع مقولة" الرأي والرأي الآخر " في ضوء الرؤية القرآنية نحتاج الى جهد تأملي ودراسه جاده لإستخراج الرؤية الموضوعيه في هذا الموضوع .. فقد سجلت مقولة " الرأي والرأي الآخر"حضورا ملحوظا في الساحات الثقافية والدينية والسياسية المعاصرة .. بل هي من المقولات التي تسيطر على اهتمامات الحياة الفكرية العالمية .والكلام فيها سجال بين مختلف التيارات .. فلا بد من استكشاف الرؤية الموضوعية للقرآن الكريم حول هذه المقولة ضمن الأنسقة العقدية والأنظمة الفكرية أي الرأي والرأي الآخر الديني والعقدي والفلسفي ..
   ولابد لنا في البدء أن نسلم ان هناك رأيا ورأيا آخر فالإختلاف مستحكم في هذه الحياة وهو الأصل فيها لذا لايمكن حذف ونفي الرأي الآخر.. فذلك إستفراد وإستبداد بالرأي ..
هذا هو قوام الحياة كل مفردة تقابلها مفردة اخرى وكل فكرة تقابلها فكرة اخرى وكل رأي يقابله رأي آخر سواء كان على نحو الضد أو المغايرة أو الإختلاف الكلي أو الجزئي ...الخ ..
   فثنائية "الرأي والرأي الآخر" ليست بدعة بل هي حالة طبيعية من حالات الإختلاف والتنوع الحاصل في أجناس البشريه وألوانها وأشكالها وخصوصياتها العرقية واللغوية والنسبية والمناطقية .. ومايستتبع ذلك من إختلافات على مستوى الواقع في القابليات والمزاج والأفكار والرؤى وبالتالي المعتقدات والمتبنيات الفكرية ..
وذلك التنوع والإختلاف لا يمنح الإنسان أية قيمة خاصة لرسم الفواصل بينه وبين الآخرين لتقوده الى حالة الإستعداد للآخرين والتعالي عليهم أو النظرة الدانية إليهم وهذا مايؤدي الى حالات التناحر والتنازع والتقاتل .
   وقد أقر القرآن الكريم هذه الحقيقة على إنها من وسائل الكمال الإنساني الذي ينشده كل عاقل ((وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) حجرات 13 ((ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فإستبقوا الخيرات الى الله مرجعكم جميعا ))المائده 48((ولوشاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا زالوا مختلفين ))هود 18 . ولا يزالون مختلفين بالرأي والقابليات والملكات والقدرات والوعي الإجتماعي . ((نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ))الزخرف 32 ..
   أما الإختلاف على مستوى الدين فله اسبابه وله معالجاته وهو واقع ((كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما إختلفوا فيه وما إختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم ))البقره213 ..
   إذن "الرأي والرأي الآخر" ضرب من الإختلاف ، ومنهج القرآن في التعاطي مع الرأي الآخر هو الحوار الهادئ بعيدا عن التوتر والإنفعال فليس الهدف الإفحام الآني وإخضاع الآخر للرأي المتبنى وإنما الهدف هو الوصول الى الحقيقة،وتضيع الحقيقه بإثارة بغي الآخر وجهله وعناده ((ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ))العنكبوت46.
   الجدل بالتي هي أحسن في التعاطي مع الرأي الآخر المعاند هو إسلوب القرآن أن يعرض المحاور رأيه دون أن يفرضه على الآخر .. ((قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وماأنزل الى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والإسباط وماأوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ))البقره136.
فالطرح القرآني في التعامل مع الرأي الآخر يتسم بالواقعية فلا يعيش التنازل ولا يعمق الخلاف بين الطرفين مادام في الأفق بريق حل للإختلاف لئلا يكون حاكما في الواقع ..

حكمة الرأي والرأي الآخر

   الرأي والرأي الآخر حقيقة قائمة منذ أن خلق الله الإنسان متفاوتا في الملكات والقابليات وفي الرغبات .. ليعيش في جو تعدد الآراء والثقافات .. وبالتالي الحوار والتثاقف بدون إرهاب فكري وبدون مشاريع نفي وحذف وإقصاء وإستبداد وعزل وتشويه وكتمان وتشنيع وصدّ الى غير ذلك من مصفوفة الصيغ الإقصائية .. ((لكل وجهة هو موليها)) و ((قل كل يعمل على شاكلته)) و ((فلذلك فإدع وأستقم كما أمرت ولا تتبع أهوائهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب أمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا   ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير ))الشورى 15.
  فالقرآن يؤكد على إحترام الرأي الآخر والتعامل معه كما هو لا كما نريد ((وما عليك إلا البلاغ والله بصير بالعباد)) و ((إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر)) و ((فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )) و ((لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر ، وأدع الى ربك إنك لعلى هدى مستقيم(( .
  فإقرار القرآن بالرأي والرأي الآخر وتأكيده على نهج الحوار ومستويات التعاطي مع الآخر محاولة لفك أغلال التقليد الأعمى الذي يكبل فكر الإنسان وتحريره من العبودية الفكرية لبناء حضارة وثقافة من خلال التأمل والبحث والتحاور والأفكار الحرة لذلك أكد كثيرا على التفكر والتعقل وذم شديدا أولئك الذين لا يختارون نهج الحياة من خلال إعمال العقل ((إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ))الأنفال 22 ((لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ))الأعراف 179 ..
  وفي موضع آخر يصرح القرآن أن فلسفته في تبيين رسالات الله ليتفكروا فيها ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ))النحل44 ..
  فحكمة الرأي والرأي الآخر هي تلاقح الأفكار والوصول الى الرأي السديد فقد ورد عن الإمام علي (ع) ((إضربوا الرأي ببعض يتولد منه الصواب ))ميزان الحكمة وغررالحكم .وعنه (ع) ((من أستقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ))الكافي والفقيه وخصائص الأئمة ونهج البلاغة.

  وفي الوقت الذي أكد الأئمة (ع) وهم عدل القرآن الكريم على تضارب الآراء حذروا من الإستبداد بالرأي والإمتناع عن التواصل مع الرأي الآخر .. فعن علي (ع) ((لا رأي لمن إنفرد برأيه))كنز الفوائد ،بحار الأنوار. ((المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل))بحار الأنوار. ((المستبد متهور في الخطأ والغلط))غرر الحكم. ((من جهل وجوه الآراء أعيته الحيل))غرر الحكم.
فدونما تعصب وإستبداد ودونما تنازل وتراجع ،وإنما عن طريق الجدال بالتي هي أحسن وعن طريق النقد والنصح والجرح والتعديل تنضج الآراء وتتكامل .
  وحكمة الرأي والرأي الآخر هي الحكمة .. فالحق ٌ لايمكن الوصول إليه إلا عن طريق العلم أو الحجة .. فمنطق القرآن مع الرأي الآخر هو الحكمة والموعظة الحسنة .. منطق الدليل والبينة والموضوعية والواقعية والإبتعاد عن منطق العناد والذات والإصرار على الباطل ..
  وقد أشار القرآن الى ذلك ((إدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ))النحل 125 . و((إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ))فصلت34 و((ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة))الأنفال42


أدب التعامل مع الرأي الآخر

1-التعامل مع الرأي لا مع صاحب الرأي .. وهو التعامل الموضوعي الذي لا تحكمه المواقف المسبقة تجاه صاحب الرأي سلبا أو إيجابا ..
فالمعيار القرآني في قيمة الرأي هو الرأي نفسه لا صاحبه .. فمن المشاكل التي يعاني منها النقد والتعاطي مع الرأي الآخر ... تعامله مع لغة ضبابية تتناول صاحب الرأي بالتجريح مهملة الرأي في ذاته .. فيتم التعامل مع الرأي الآخر بتناول حياة صاحبه بالتشريح وبيان عيوبها وهي لغة يعوزها الطابع العلمي .بينما يؤكد المنهج الإسلامي والقرآني على التعامل العلمي فعن رسول الله (ص) ((خذ الحكمة ولا يضرك من أي وعاء خرجت))الفردوس ج2. وعن الإمام علي(ع) ((لا تنظر الى من قال وأنظر الى ما قال))غررالحكم، ينابيع المودة .
أما رؤية القرآن الكريم ومنهجه القويم ((فبشر عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب))الزمر17و18.
إستماع القول وإتباع أحسنه هو الأدب الذي ينبغي أعتماده في التعامل مع الرأي الآخر .. ولا أهمية للأقتدار السياسي أو الإقتصادي في إعتبار الرأي .. ولا يضر في قيمة الرأي المنطقي فقدان صاحبه لأسباب القوة السياسية أو الإجتماعية .. فالقرآن الكريم يلزم بالإذعان للرأي الحق المنسجم مع الموازين العقلية والمنطقية حتى وإن صدرت من الآخر المخالف ..
2-التعامل مع الرأي الآخر وفق المعايير العقلية والعلمية .. فالتعامل العلمي مع الرأي الآخر يكون بالإستناد الى البراهين العقلية والإستناد الى ما يؤمن به من الضمير بإنه حق .. وعدم الخوض في المجهولات .. فعن رسول الله (ص) ((إن من خيار أمتي قوما .. يتبعون البرهان )) حلية الأولياء ج 1و16. وعنه (ص) ((من أعان على خصومة بغير علم كان في سخط الله حتى ينزع)) السنن الكبرى ج 6 ، المستدرك على الصحيحين ج 4 ، كنز العمال . وعن زرارة :سألت أبا جعفر(ع) ماحق الله على العباد ؟ قال: ((أن يقولوا ما يعلمون ، ويقفوا عند ما لا يعلمون))الكافي ج 1.
أما آيات القرآن التي تشير الى إتباع العلم في التعامل مع الرأي الآخر فهي كثيرة ومنها .. ((وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارا تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين))البقرة111 . ((ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ))الحج3. ((ها أنتم حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون))آل عمران66. ((أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أءله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ))النمل 64.
فمراعاة هذا الأدب كفيلة بإنهاء الإختلافات الناتجة عن خطأ الفكر والرؤية ((فلا يخصم من يحتج بالحق)) ((وبالحق يستظهر المحتج)) وهذا الأدب في التعامل مع الرأي الآخر المخالف واضح في القرآن الكريم كما في قصة إبراهيم (ع) ، فعن زيد بن أسلم :إن أول جبار كان في الأرض نمرود ،وكان الناس يخرجون فيمتارون من عنده الطعام ،فخرج إبراهيم يمتار مع من يمتار فإذا مر به ناس قال :من ربكم ؟ قالوا : أنت ، حتى مر به إبراهيم قال : من ربك ؟ قال : ((ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فإت بها من المغرب فبهت الذي كفر ))البقرة258 ، تاريخ الطبري ج 1 287.
3- ضرورة مراعاة القيم الأخلاقية في التعامل مع الرأي الآخر .. فذلك أدعى في الوصول الى التفاهم والإقناع .. وتحقيق الغايات المنشودة . إن عدم مراعاة الاخلاق في ذلك قد تعجز البراهين عن كشف الحقائق .. فإحترام الرأي الآخر والتعامل الحسن والصدق في الحديث وإنصاف الآخر وكل التوجيهات الأخلاقية في القرآن ضرورة قائمة في أدب التعامل مع الرأي الآخر . ((فمن صدقت لهجته قويت حجته)) غرر الحكم .
4- تجنب آفات التعامل مع الرأي الآخر. ومنها إتباع الظن ((ومالهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ))النجم 28. ((ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ))الإسراء36.
ومنها الأهواء النفسية ((أفرأيتم اللات والعزى ومنوة الثالثة والأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآبائكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ))النجم19- 23.
وفي هذا الصدد ورد عن الإمام علي (ع) ((أقرب الآراء من النهى أبعدها عن الهوى ))الكافي ج1 308 ،وثواب الأعمال 236/1 ..
وعنه (ع) وقد سأله زيد بن صوحان العبدي : أي الناس أثبت رأيا ؟ قال من لم يغره الناس من نفسه ولم تغره الدنيا بتشوفها )) تشوفت المرأة تزينت .. لسان العرب ..9 /185. الفقيه 4/383/5833،ومعاني الأخبار199/4.
وعنه ((اللجاج يفسر الرأي)) و ((اللجوج لا رأي له)) غرر الحكم 887،1087 .. ومنها التقليد((وإذا قيل لهم تعالوا الى ما أنزل الله والى الرسول قالو حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا و لا يهتدون))المائدة104.
وقوله تعالى ((وكذلك ما ارسلناه من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثارهم مقتدون))الزخرف23. ومثله في مواطن كثيرة من القرآن الكريم. يتبع


*محاضره ألقيت في دار الوحدة للمعارف القرآنية .


















‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق